الشرق الأوسط – جريدة العرب الدولية - ياناير, 2006

الفيل والإنسان

أستاذ القشطيني

حيرتني تسمية الخرطوم. من أين جاءت هذه التسمية الغريبة، الخرطوم. سألت خالد فتح الرحمن، الدبلوماسي ، وأحد الخراطيم الأدبية في الخرطوم، من اين جئتم بهذه التسمية؟ قال أخذناها من النيل. النيل الأبيض والنيل الأزرق مثل أذني الفيل. يلتقيان في أم درمان فيتكون من التقائهما حوض النيل مثل الخرطوم. لم أستسغ هذا التفسير، وجدت شذوذا في هذه التسمية. السودان ليس فيلا. السودان إنسان. كل من عرفتهم من أصدقائي السودانيين وجدت فيهم إنسانية الإنسان. الخرطوم تسمية مغلوطة. السودان ليس فيلا وإنما إنسان. حقا إن النيل الأبيض والنيل الأزرق أذنان. ولكنهما إذنا إنسان وبين أذني الإنسان يوجد اللسان. ونيل ام درمان هو اللسان ممتد إلى الإمام. لسان القارة الأفريقية برمتها. وهو الاسم الجدير بها: اللسان بدل الخرطوم. شعرت بذلك ولمسته في حفلة بانوراما ام درمان التي قدمتها الفرقة القومية على المسرح الوطني خلال زيارتي للسودان. ينم كل فولكلور السودان وفنونه .عن المؤثرات الأفريقية التي مزجها السودانيون بالتراث العربي وجعلوها لسانا للانسان الأفريقي

كان السودان هو الذي علم القارة السوداء معنى الاستقلال والتحرر من الاستعمار. يلقي ذلك عبئا كبيرا على السودانيين بكل لغاتهم وقومياتهم ودياناتهم. ما من شيء يمزق أفريقيا الآن ويجيع شعوبها ويجعلها تشحذ في الأوساط الدولية ويؤخرها عن ركب الحضارة كالحروب الأهلية والقبلية الضاربة في إطنابها. كان منها جمهورية السودان أيضا ولكن الله تعالى أهدى السودانيين إلى جادة العقل والحكمة فوضعوا حدا لحربهم المهلكة وأحلوا التفاهم بدلا من التنازع والتقاتل. ما زالت البلاد في باكورة عهد السلام وأول الطريق نحو الحل النهائي. وسيتوقف الكثير على الاستفتاء الذي سيجرى بعد ثلاث سنوات وهذه هي المسؤولية، الخطيرة على عاتق أبناء البلاد وزعمائها. فإذا فشلت التجربة وعاد الشباب والأطفال لحمل السلاح وقتل بعضهم بعضا فسيكون لذلك اثر كبير ومأساوي على عموم القارة. وسيستنتج العالم أن الإنسان الأفريقي غير قادر على التعامل مع السلام وانتهاج العقل .والحكمة، وربما يدير العالم ظهره لإفريقيا ويقول بأسكم بينكم وليحرق اليابس منكم اخضركم

للإمام علي بن أبي طالب أقوال كثيرة في ذم الفقر. ويظهر أنني سمعتها كلها في الخرطوم. محاربة الفقر والتخلص من الفقر شاغل الناس. شهدت الكثير منه ولكن المنظر الذي جرحني ابلغ الجرح كان منظر الشاب الذي جاء بفتاته ليبهرها بجلسة في فندق الخمسة نجوم. جلسا على الأريكة المترفة في البهو. جاءهما النادل يسأل عما يطلبان، فصرفه الشاب بكلمة أو أخرى. عاد النادل اليهما بعد دقائق يصر على الطلب. فبهو الفندق ليس حديقة عامة او موقف حافلات. اضطر الشاب لطلب شيء يعطيه الحق في الجلوس. لبى النادل الطلب وجاءهما به. علبة كوكا واحدة اشتركا بها. هذا الأفندي المحترم لم يستطع أن يبهر فتاته في موعد .غرامي بغير علبة كوكا واحدة مشتركة. تمنيت أن أتبرع لهما بعلبة ثانية. لقد جرحا مشاعري ولا أريد أن اجرح كرامتهما

يعقد الجميع آمالهم على اكتشاف النفط في تجاوز عقبة الفقر. ولكن تجربة العراق أثبتت ان مليارات الدولارات من عوائد النفط قد .تزيد الفقر فقرا ما لم يشفعها سلم دائم وحكم رشيد، وهو ما تعقد الآمال عليه الآن


الشرق الأوسط – جريدة العرب الدولية

:تعليق

د/اخلاص عبدالرحمن المشرف

المملكة العربية السعودية، 01/01/2006

.الكاتب القدير القشطيني، أصل الاسم كرتوم توتي وهي كلمة نوبية وتعني جزيرة وهنالك كرتوم كوستى وغيرها من الجزر

رجوع
 

The primary material of the website is authored by Ibrahim Omer © 2008.