الذين لا يصدأون

د.ثريا العريض

صديقة أجنبية.. زوجة لدبلوماسي تنتقل معه في بلاد الله الواسعة.. قالت وقد آن أوان السفر.. "سوف ننتقل إلى السودان.. وقد عشت في تونس وعمان والعراق قبل السعودية.. أما السودان فلا أعرفه.. أنتم في البلاد العربية تتشابهون وتختلفون كثيرا.. لا أجد ما يجمعكم في البلد الواحد ولا في المجموع.. لا أدري إن كانت تجربة الماضي !تفيد في التنقل بينكم!"
فكرت في حلم الوحدة العربية.. والتجمعات الراهنة في ارتباطات إقليمية.. والخلافات على حدود سرابية.. ومناسبات جماهيرية.. ولم أستطع أن ألغي ملاحظتها..
..!قلت لها صادقة! ستحبين السودان
قد لا يكون في رخاء البلاد التي عشت فيها.. ولكنه غني بروحانية خاصة.. لم تتح لي زيارة السودان ولكني عايشت الكثيرين من أبنائه وبناته متغربين للدراسة أو للعمل في بقاع مختلفة من العالم تمتد من بلادنا العربية إلى أمريكا ..وأوربا
وأستطيع أن أقول عنهم ما لا أستطيع أن أقوله في أي جماعة أخرى منا.. لم أجد في التعامل مع أي منهم ما أفقدني احترامي له شخصيا أو لأبناء بلده..
وجدت في الزملاء والزميلات من السودان ذلك الشعور بالمسئولية والرغبة في القيام بالواجب على الوجه الأكمل.. ووجدت فيهم الطيبة دون غباء.. والاعتزاز بالنفس دون غرور.. واحترام الآخرين دون تذلل.. ومعرفة حدود حقوقهم ..وحقوق الآخرين
لهم شخصية مميزة.. شعب عرف الاستعمار ولم يتعود الخنوع.. وعاش الفقر ولم يتقمص الذل.. وحفظ انتماءه إلى عروبته وأفريقيته وإسلامه دون أن يشرخ ذلك في شخصيته الخاصة..
أين في البلاد العربية أو غيرها من يقوم بانقلاب ناجح ضد سلطة مرفوضة ثم يترك كرسي السلطة راضيا؟
أين في البلاد التي تعاني كوارث العالم تجدين الصبر والاتزان والهدوء الذي واجه به السودانيون مجاعاته وجفافه وفيضاناته حكومة وشعبا؟
ستحبين السودان.. وأهله.. يحبون بعمق.. ويحسون بعمق.. ويتألمون بعمق.. ولكن أصواتهم تظل هادئة..
بلد طيب.. يملؤه الناس الطيبون.
..ربما تجدين سودانيا يبتسم فقط عندما يحتاج شيئا منك وينسى ملامح وجهك حين لا يحتاجه
..وقد تجدين سودانيا يخبئ القليل الذي عنده كي لا يشاركك فيه
..وقد تجدين سودانيا يحلف ألف يمين ليقنعك أنه صادق وهو يتكلم بلسان مقسوم
..وقد تجدين سودانيا يرتشي ويختلس ويسرق ويهرب من مسئولياته أو يتلاعب بصلاحيات
..ولو حدث ذلك يا سيدتي فستكونين قد إلتقيت ظاهرة نادرة بينهم
..لأنهم جد شرفاء.. ولا ينسون ذلك
مثلك درت العالم عدة مرات وزرت بلاد الجهات الأربع.. عربية وغير عربية.. فوجدت أن ابن البلد أطيب في بلاده ..منه في خارجها.. ربما يتأثر بالهواء الملوث فيصدأ بعض معدنه.. ربما هو دفاع عن النفس في مواجهة الغرب
..لا أستطيع أن أقول لك أنني عايشت السوداني داخل حدود بلاده
..ولكن إن كان مثل من عرفت منهم خارجها.. فسوف تحبين السودان والسودانيين
..أكاد أجزم أنهم من معدن أصيل لا يصدأ

...نقلا عن صحيفة الرياض السعودية

رجوع
 

The primary material of the website is authored by Ibrahim Omer © 2008.