السودان بين الأنموذج المرتجى .. وصدارة الأنظمة الفاسدة!

الشرق الأوسط (جريدة العرب الدولية) الخميـس 06 ذو الحجـة 1426 هـ 5 يناير 2006 العدد 9900
AAwsat

ما بين 1983 و1988 كنت أدرس ماجستير ودكتوراه في جامعة كلارك بولاية ماساجوستس.. واذكر في حوالي 1986 قابلت شخصا من البرزيل، إن لم تخني الذاكرة، وهو يعمل بمنظمة Save the Children وهو قد كان يعمل بإدارة المنظمة في السودان لفترة من الزمن.. قابلته في مدينة وست بوينت واذكر أنني سألته عن أكثر شيء لفت نظره في السودان.. أذكر تماما أنني دهشت لإجابته، حيث قال: (الجمال الشديد).. قلت ماذا تعني؟؟ قال: (جمال الناس).. قلت تقصد جمال الأخلاق والتعامل؟؟ قال: (لا أقصد الجمال للوجوه والناس الجمال "الفيزكال"..).. الآن أدعوكم لقراءة هذا المقال للكاتب العراقي خالد القشطيني: ن

لقد نشأت على ذلك الهوس العربي، البشرة البيضاء، والشعر الاشقر والعيون الزرقاء. وتعزز في نفسي هذا النزوع بالسنوات الطويلة التي قضيتها في اكاديميات الفنون في بريطانيا، حيث تسود قيم الجمال الآري للموديلات الاوربيات الآريات. لم افهم الشعار الذي اشاعه الانجليز أخيرا في قولهم الاسود جميل Black is Beautiful، اعتبرته شعارا طرحوه للمجاملة ودعم حركة المساواة ضد العنصرية التي كثيرا ما اعتمدت في تمييزها على اللون، وبالذات اللون الاسود. ن

ورغم كل القصائد والاغاني التي تتغنى بالسمراء، فان الهوس العربي بالبيضاء ظل مستحكما في نفوسنا. وهكذا بقيت مقاييس الاستاطيقية كذلك وانا في طريقي الى السودان، واذ بها تنقلب رأسا على عقب بعد سويعات من وصولي الى الخرطوم. وجدت القوم يتحدثون عن الاكتشافات الجديدة من النفط والسدود الجاري بناؤها لتخزين مياه النيل والاراضي المزمع زراعتها وما تبشر به البلاد من ثروات. لم اجد احدا يتكلم بعد عن الثروة الجمالية للنموذج البشري السوداني. وهل من ثروة مستدامة اغلى وابقى من الانسان؟ ن

في افريقيا الشرقية، خاصة في السودان والصومال واثيوبيا واريتريا، اختلط العنصر العربي بالعنصر الافريقي وتولد عن ذلك الاختلاط هذا النموذج الجمالي الفريد، الذي يجدر بي ان اسميه بالنموذج السوداني. ن

واجهته في كل مكان. في النادلات والمستخدمات في الفندق، في الفلاحات العاملات في المزارع المجاورة وفي طالبات الجامعة والمدارس. في دخولي الى حدائق الجامعة ومواجهة هذه النماذج من الجمال السوداني في طلاب وطالبات الجامعة، شعرت وكأنني في عالم اثيري غير هذا العالم الذي اعرفه، عالم من الدمى الفاتنة المعدة لعرض الازياء في فاترينات المخازن الاوربية، او الدمى الصغيرة المصنوعة لدغدغة مشاعر الاطفال او كوكبة من ملائكة الرحمن. خطر لي ان وجوه الملائكة ستكون بمثل هذه الوجوه السمراء الداكنة. ن

وجه الفتاة السودانية اشبه بصورة رسمها فنان من نوع ديور او دافنشي. الشفتان محددتان مرسومتان بقدرة الخالق. المرأة الاوربية تحتاج لقلم الشفايف لتحدد وترسم شفتيها. لا حاجة للمرأة السودانية لمثل هذا القلم. وحيث اجدها وقد شدت الحجاب على شعرها، تعود لمخيلتي لوحة فرمير عن الفتاة ذات اللؤلؤة. وبين الحجاب وامامه توجد هذه اللؤلؤة السوداء المتمثلة بالوجه الصغير الناعم البشرة الدقيق العوالم والساحر النظرات. ن

الفتاة السودانية بطولها الممشوق وجسمها النحيف تعطي المثال الذي يصبو اليه دهاقنة الازياء والموضة في عرض انتاجهم. وبوجهها المرسوم المحتشم تعطي بديلا لهذه النماذج المبتذلة من مذيعات التلفزيون ونجومه. انها تعطي عالما جديدا من القيم الجمالية تخرج عن دنيا الجمال المصطنع بالبودرة والحمرة وقلم المسكارة. وامامها لا يملك المتذوق للجمال غير ان يعيد النظر في مقاييسه الاستاطيقية ويشعر بهذا الانقلاب نحو فهم واستيعاب الشعار الشائع اخيرا على مستوى العالم :ن
.Black is Beautiful

يا بنات صور وصيدا، احذرن من هذا المنافس الجديد!ن

رجوع
 

The primary material of the website is authored by Ibrahim Omer © 2008.