شجاعة أم أسطورة: ن
وابتسم الأستاذ محمود محمد طه في وجه الموت

بقلم: قاضى سوداني سابق

ما أحوجنا في هذه الأيام أن نسترجع ذكرى رجال من قادتنا من الذين ضحوا بأرواحهم ثباتا على المبدأ وتضحية من أجل الوطن ونحن في أيام يتوارى فيها القادة حتى عن اتخاذ موقف أو الثبات على مبدأ ما أحوجنا لاستعادة سيرة رجال في قامة محمد أحمد الريح الذي رفض الاستسلام وظل يقاتل حتى ضرب المبنى الذي كان بداخله فانهار عليه المبنى ولم ينهار الرجل. ن

ومثل شباب الحركة الإسلامية حسن ورفاقه في دار الهاتف الذين قاتلوا في دار الهاتف وهم جوعى فاستمروا في المقاومة رغم حصارهم وقذفهم بالدانات ولم يستسلموا إلا بعد أن نفذت ذخيرتهم … وعبد الخالق محجوب الذي تهندم للموت وكأنه ذاهب لعرس. ن

وفاروق حمد الله الذي فتح صدره للرصاص وقال الراجل بيضربوا بقدام… وبابكر النور الذي ظل يهتف وهو يضرب بالرصاص عاش كفاح الشعب السوداني … ورجال الأنصار الذين قاتلوا في شرف في 76… وأولادنا السمر فى الجبهة الشرقية الذين ضحوا من أجلنا ولا نعرف حتى أسماؤهم وكانوا على استعداد لمواصلة الدرب لولا خيانة قياداتهم السياسية. انه الشعب السوداني سيستعيد يوما سيرته الأولى وسيتجاوز قادته الأقزام ويزيل كل هذا العبث الطافي. ن

ومحمود من القادة النادرين الذين عاشوا ما أمنوا به لم يكن فكرهم في جانب وحياتهم في جانب آخر…ولو كان قادتنا من أمثال محمود لارتفع صوتهم في أحداث ميدان المهندسين فمحمود كان منزله من الطين في الحارة الأولى الثورة لم يكن له قصر في الإسكندرية أو شقه فاخره في القاهرة تجعله يختبىء ويفقد صوته عندما تقتطع مصر جزء من وطنه حلايب وشلاتين أو يتوارى عن الأنظار عندما يغتال المصريون أطفالنا ويكشفون عورات نساؤنا في القاهرة ….لم يشبع محمود في الطعام فقد كان نباتيا واختلف مع الذين نادوا على التركيز على أفكار الرجل وليس إعدامه وما قيمة الفكر إذا لم يصمد صاحبه ويقبل التضحيات في سبيله وهل كان الفكر سيلقى كل هذا الزخم ويصمد إذا انهار صاحبه وتاب في مواجهة الموت … وهل كان الجمهوريين من تلامذته سيرفعون صوتهم إذا انكسر معلمهم …. وأين الأب فيليب غبوش الذي هدده نميري بالإعدام فقال كما ورد على لسانه (قلت يا ود يا فيلب أحسن تلعب بوليتيكا) فلعب الأب فليب بوليتيكا وتاب على رؤوس الأشهاد فكسب حياته وضاع فكره .. ن

ويبقى أنني ليس جمهوريا ورأيت الأستاذ محمود لأول مره في ساحة المحكمة كانت الساحة السياسية في عام 85 مائجة بعد أحداث إضراب القضاة فى83 وخروج نميري من هذه المواجهة مهزوما وإعلانه بعدها لقوانين سبتمبر في محاوله منه لتشتيت الأنظار عن تراجعه ومن ناحية أخرى كان نميري مرعوبا من الثورة الإيرانية التي أطاحت بالشاه رغم حماية أمريكا له فأرعب نميري المد الإسلامي وأراد أن يلتف عليه ويتقدم هذا المد …وأصدر الأستاذ محمود محمد طه منشور هذا …. أو الطوفان وقد ذكر الأستاذ في هذا المنشور أن قوانين سبتمبر جاءت فشوهت الإسلام في نظر الأذكياء من شعبنا وأساءت لسمعة البلاد فهذه القوانين مخالفه للشريعة ومخالفه للدين..ن

وفى فقره أخرى: إن هذه القوانين قد هددت وحدة البلاد وقسمت هذا الشعب في الشمال والجنوب وذلك بما أثارته من حساسية دينيه كانت من العوامل الأساسية التي أدت لتفاقم حرب الجنوب وطالب الأستاذ بإلغاء قوانين سبتمبر وحقن الدماء في الجنوب واللجؤ للحل السياسي والسلمي. ن

تم القبض على الأستاذ محمود وتقديمه لإحدى محاكم العدالة الناجزة وقاضيها المهلاوي وهو شاب صغير السن كان قاضيا بالمحاكم الشرعية وهو قريب النيل أبوقرون مستشار رئيس الجمهورية وأحد مهندسي قوانين سبتمبر وكان المهلاوي يعوزه الإلمام بقانون الإجراءت الجنائية وقانون الجنايات وهذا ما يفسر ارتباكه في ذلك اليوم عندما مثل أمامه الأستاذ محمود الذي احضر لمجمع المحاكم بأمدرمان ومعه مجموعه مدججة بالسلاح أحاطت بالمحكمة … كان الأستاذ يرتدى الزى الوطني وفى الصفوف الأمامية كان المحامين الوطنيين الذين اعتدنا رؤيتهم في مثل هذه المحاكمات السياسية متطوعين مصطفى عبد القادر فارس هذه الحلبات (شفاه الله) وأمين مكي مدني والشامي والمشاوي وعلى السيد وآخرين..ن

استمع المهلاوي ومن ربكته نسى أن يحلف المتحرى مع انه الشاهد الوحيد وارتجل الأستاذ كلمته الخالدة التي ردد في بدايتها رأيه في قوانين سبتمبر كما جاء في المنشور وأضاف: أما من حيث التطبيق فان القضاة الذين يتولون المحاكمة تحتها غير مؤهلين فنيا وضعفوا أخلاقيا عن أن يمتنعوا عن أن يضعوا أنفسهم تحت سيطرة السلطة التنفيذية تستعملهم لإضاعة الحقوق وإذلال الشعب وتشويه الإسلام وإهانة الفكر والمفكرين وإذلال المعارضين السياسيين ولذلك فإني غير مستعد للتعاون مع أي محكمه تنكرت لحرمة القضاء المستقل ورضيت أن تكون أداة من أدوات إذلال الشعب وإهانة الفكر الحر والتمثيل بالمعارضين السياسيين (وما أشبه الليلة بالبارحة يا أستاذ.. وشكر الأستاذ المحاميين الوطنيين للتطوع عن الدفاع عن الجمهوريين وأضاف أن الجمهوريين سيتولون مباشرة قضاياهم بأنفسهم.. ن

وأصدر المهلاوي حكما بإعدام الأستاذ محمود .. ن

فحين يسود الرعب والوهن ن

ويبطىء الشهود والقضاء والزمن ن

ينفلت القاتل والمقتول يدفع الثمن ن

أيدت محكمة استئناف العدالة الناجزة الحكم وأيده نميري الذي قال انه بحث فى كل كتب الفقه فلم يجد للأستاذ مخرجا وهذا لا يعقل فكيف رجع نميري في أيام معدودة كل كتب الفقه ونميري لا تمكنه مؤهلاته العقلية من قراءة كتاب المطالعة الأولية بدون أن يخطىء عشرات الأخطاء. ن

جاء يوم 18/1/1985م يوم التنفيذ تقاطر المئات نحو بحري واغلبهم كان يعتقد أن الإعدام لن يتم لأسباب شتى وبعضهم بين مصدق ومكذب لكل هذه المهزلة أن يعدم بشر لإصداره منشورا .. أوقفت العربات للقادمين من الغرب عند خط السكة حديد وساروا على الأقدام متجهين نحو سجن كوبر …. دخلت ساحة الإعدام بسجن كوبر وهى ساحة واسعة في مساحة ملعب كرة قدم ووجدت مجموعه من الناس جلست على الأرض في الجانب الشرقي وفى الجانب الشرقي كانت منصة الإعدام تنتصب عالية في الجانب الجنوبي منها صفت كراسي تحت المنصة مباشرة في الصف الأول مولانا فؤاد الأمين رئيس القضاء والمكاشفي طه الكباشي رئيس محكمة استئناف ما أطلق عليه المحاكم الناجز وبجواره الأستاذ عوض الجيد مستشار رئيس الجمهورية ومولانا النيل أبو قرون مستشار رئيس الجمهورية وبجوارهم مولانا محمد الحافظ قاضى جنايات بحري ومولانا عادل عبد المحمود وجلست في الصف الأول وكنت اقرب إلى المنصة وفى الصفوف الخلفية ضباط شرطه وسجون… ن

وعلى الحائط الغربي وعلى مسافة من المنصة اصطف الجمهوريين المحكوم عليهم بالإعدام كانوا يلبسون ملابس السجن ذقونهم غير حليقة يبدوا عليهم التشتت وكانوا مقيدين …رجال الأمن منتشرين والشرطة بأسلحتها منتشرة في المكان …كان هناك رجل طويل القامة بصوره ملفته اسمر اللون يحمل شنطة في يده يقف خلف المنصة مباشره ونفس هذا الرجل رأيته في المحاكمة … المكاشفي كان يتحرك متوترا ويتبسم حتى والسن الذهبية تلمع في فمه . ن

احضر الأستاذ محمود محمد طه يرتدى زى السجن مقيد الرجلين مغطى الوجه بغطاء احمر… اقتيد حتى سلم المنصة حاول السجانان الممسكان به مساعدته في الصعود إلى المنصة ولكنه لم يعتمد عليهم تقدمهم وبدأ يتحسس السلالم بقدمه ويطلع درجة بعد درجة.. ن

انتصب الأستاذ محمود واقفا فوق المنصة وهو مغطى بالغطاء الأحمر … تلا مدير السجن من ميكرفون مضمون الحكم وتلا أمر التنفيذ ….الأستاذ محمود ذو 76 سنه واقف منتصب .. حبل المشنقة يتدلى بجواره… قرىء عليه أمر تنفيذ الإعدام عليه ويمسك المكاشفي بالميكرفون ليسمع الأستاذ آخر كلمات في هذه الدنيا فيسب الأستاذ محمود ويشير إليه في كلمته بهذا المرتد الذي يقف أمامكم .. وتستمر الكلمة زمن والمكاشفي يزبد ويرقى.. يطلب السجان من الأستاذ محمود أن يستدير يمينا.. ن

ويستدير الأستاذ ويواجهنا تماما يتم كشف الغطاء عن وجه الأستاذ.. يبتسم الأستاذ وهو يواجه القضاة الذين حكموا بإعدامه ابتسامه صافية وعريضة وغير مصنوعة.. وجهه يشع طمأنينة لم أرها في وجه من قبل …قسماته مسترخية وكأنه نائم …كان يشوبه هدوء غريب …غريب.. ليس فيه ذرة اضطراب وكأن الذي سوف يعدم بعد ثواني ليس هو … والتفت إلى الجالسين جواري لأرى الإضراب يسودهم جميعا .. ن

فؤاد يتزحزح في كرسيه وكاد يقع..عوض الجيد يكتب حرف نون على قلبه عدة مرات .. والنيل يحتمي بمسبحته في ربكة (النيل تعرض لاتهام بالردة في عهد الإنقاذ وتاب) كان الخوف والرعب قد لفهم جميعا والأستاذ مقيد لا حول له ولاقوه …ولكنه الظلم جعلهم يرتجفون وجعل المظلوم الذي سيعدم بعد لحظات يبتسم !!التف الحبل حول عنق الأستاذ محمود كان مازال واقفا شامخا (قيل أن الشيخ الترابي حضر مره قطع يد سارق فأغمى عليه) وسحب المربع الخشبي الذي يقف عليه الأستاذ وتدلى جسده (وكذب من قال انه استدبر القبلة) هتف الرجل طويل القامة الواقف خلف المنصة .. سقط هبل .. سقط هبل ردد معه بعض الغوغاء الهتاف .ويحضرني صلاح عبد الصبور في مأساة الحلاج.. ن

صفونا.. صفا .. صفا ن

الأجهر صوتا الأول والأطول ن

وضعوه في الصف الأول ن

ذو الصوت الخافت والمتوانى ن

وضعوه في الصف الثاني ن

أعطوا كل منا دينار من ذهب قاني ن

براقا لم تمسسه كف ن

قالوا صيحوا زنديق كافر ن

صحنا زنديق كافر ن

قالوا صيحوا : فليقتل إنا نحمل دمه في رقبتنا ن

صحنا:فليقتل إنا نحمل دمه في رقبتنا ن

كان هناك من هتف من بين الجمهور شبه لكم .. شبه لكم تم القبض عليه وتم ضربه أمام رئيس القضاء أوقفهم مولانا محمد الحافظ (عرفت من الأستاذ بشير بكار الدبلوماسي السابق انه هو الذي هتف) خرج الحضور من القضاة عن طريق سجن كوبر….وعندما مروا بزنزانات المعتقلين السياسيين كان هتافهم يشق عنان السماء...ن

محمود شهيد لعهد جديد … ن

لن ترتاح يا سفاح … ن

مليون شهيد لعهد جديد…ن

لم يغطى على هذا الهتاف حتى أزير الطائرة التي يقودها فيصل مدني وحملت جثمان الشهيد لترمى به في وادي الحمار (وهذا حسب ما تسرب لاحقا) وكان محمود شهيد لعهد جديد .. ن

وسقطت مايو بعد 76 يوما من إعدام الأستاذ.. ن

هادئا كان أوان الموت ن

وعاديا تماما ن

وتماما كالذي يمشى ن

بخطو مطمئن كي يناما ن

وكشمس عبرتها لحظة كف غمامه ن

لوح بابتسامه ن

قال مع السلامة ن

ثم ارتمى وتسامى ن

وتسامى…… ن

وتسامى......ن

رجوع
 

The primary material of the website is authored by Ibrahim Omer © 2008.