النفسية السودانية: تبعة الاستعمار

مرة أخرى مع الكاتب الأستاذ خالد القشطيني في الشرق الأوسط: جريدة العرب الدولية لثلاثـاء 04 ذو الحجـة 1426 هـ 3 يناير 2006 العدد 9898

باستثناء فلسطين، عانى السودان أكثر من أي بلد عربي آخر من قبضة الاستعمار البريطاني، ففي معركة أم درمان فقط سفك الجيش البريطاني دم نحو 13000 مقاتل من أتباع المهدي. وبقي ظل الاستعمار ينوء بثقله على صدر البلاد الى يومنا هذا. فإليه تعود معظم ما تعانيه البلاد من مشاكل الى يومنا هذا، ولا سيما ما تعلق منها بشكل السودان وحدوده. ن

من التركات الرمزية التي خلفها الاستعمار في كل مكان، التماثيل والأنصبة التاريخية التي تخلد أفعاله وفتوحاته، وكان مما خلفه الانجليز في الخرطوم تمثال الجنرال غوردن وتمثال اللورد كتشنر، القائدين اللذين تركا في نفوس السودانيين ذكريات مرة. وأصبح التخلص من وجودهما واجبا وطنيا يعبر عن التخلص عن كاهل الاستعمار. وجسمت الطريقة التي نفذوا فيها هذه العملية، النفسية السودانية المتمثلة بالسماحة واللين والسلام والعفو عما سلف. ن

تقدم بعض الصناعيين لشراء التمثالين لتذويبهما والاستفادة من معدنهما. لو كان ذلك في بلاد الشام لرحبوا بالطلب وباعوهما حسب أسماء المعدن في الأسواق. ولو كان التمثالان في العراق لشدوا حبلا بالرقبتين وأطاحوا بالتمثالين وهجموا عليهما وكسروهما. لم يفعل السودانيون هذا ولا ذاك. اتصلوا بالحكومة البريطانية وقالوا لها، لدينا هذان التمثالان اللذان تعتزون بمنجزاتهما وبطولتهما. تعالوا خذوهما وخلصونا منهما. وهو ما جرى. وكان عملا معبرا تماما عن النفسية السودانية. ن

وهو ما أقدموا عليه أيضا في الأيام الأخيرة حيال الباخرة الحربية التي قصفت أم درمان بمدافعها وفتكت بصفوف المقاومين. لم يعمدوا الى إغراقها وتمزيقها. اتصلوا بالانجليز واتفقوا معهم على تصليحها وإعادتها الى سيرتها الأولى لتكون متحفا دائما للمعركة بين الطرفين تعرض لحين من الزمن في بريطانيا ثم تعاد الى موقعها في نهر النيل فتضيف عنصرا سياحيا آخر الى مغريات السياحة في السودان ومرشدا مفيدا لطلبة المدارس عن جرائم الاستعمار وفضائح الحروب. ن

امتدت هذه الروح التسامحية السودانية الى تعامل السودانيين مع الدين. لقد وجدتهم من أكثر الناس حرصا على دينهم، إسلاميا كان أو مسيحيا. ولكن حرصهم على الدين كما وجدته في الخرطوم لم يأخذ الشكل العنفي الذي أخذه في بعض المناطق الأخرى من العالم الاسلامي. السودانيون لا يعرفون قتل المرأة غسلا للعار ولا يضطهدون الفتاة السافرة، أو يعاكسون المرأة الجميلة. ولا يلجأون الى الإرهاب في نشر دينهم أو الدفاع عنه. إنهم يستعملون مكبرات الصوت في بث الأذان من المساجد، ولكنهم على ما يبدو يحصرون ذلك في «ديسبلات» واطئة لا تخدش آذان المستمعين ولا يسرفون في البث. ن

تجولت في الأحياء الشعبية وطرقاتها، ولم تتعرض أذني الى الصخب المعتاد في المدن العربية من راديوات المقاهي والأغاني المنبعثة من الدور والدكاكين والبث المتواصل من مكبرات الصوت. المرأة السودانية تتكلم بهدوء ونبرة موسيقية ناعمة. يظهر أنها تضع الحجاب على حنجرتها أيضا. ورغم الزحام الظاهر في الطرق الرئيسية، فقلما تسمع زمارات شرطة المرور أو أبواق السيارات. السواق السودانيون يتدافعون بسياراتهم القديمة بهدوء حملني على الاعتقاد بأن أبواقهم عاطلة ولا يوجد لها قطع غيار. ن

رجوع
 

The primary material of the website is authored by Ibrahim Omer © 2008.