من القلب
السودان .. وإن طال السفر

أسماء الحسيني

ثمانية أشهر وثلاثة أيام وبضع ساعات وعشرات الدقائق والثواني هي أطول فترة غبتها عن سوداني الحبيب منذ أول مرة عانقته روحي ووطأته قدماى ...... وها أنا ذا أعود إليه تسبقني أشواقي إلى ثراه الطاهر وإلى أهلي وأحبائي وأصدقائي .....أعود إليه مشتاقة يسبقني قلبي وحنيني إلى عوالمه ومعالمه وأهله الطيبين....أعود إليه لأكحل عيني بمرأى الأحبة ومنظر النهر عند ملتقى النيلين .... أعود إليه لأشحن الروح والنفس بمحبة من أُلت على نفسي أو آلت نفسي على محبتهم أو بالأحرى من أودع الله حبهم قلبي. ن

أعود إليك يا سوداني الحبيب اليوم مشتاقة رغم أنى حاولت أن أقنع نفسي طيلة الأشهر الماضية أنك موجود بين جوانحي ...في قلبي وعقلي ومشاعري ...وأنك قريب ... قريب.... مهما طالت المسافات وباعدت الأيام. ن

وأنا في وطني مصر أشعر أنى قريبة منك يا سودان، وحينما أبتعدت قليلا ألهب البعاد نار الشوق والحنين وهيج مشاعري..... وعلى ضفاف الأطلسي تجدد حبي وازدادت لهفتي، وتمنيت لو رسمت لوحات من الشوق وشيدت شلالات من الحب وأنهارا من المودة الخالصة تصل إلى نهرك العظيم لتحيل المساحة مابين المحيط والنهر إلى جنات وحدائق غناء. ن

أعود إليك اليوم يا سوداني الحبيب, وأنا أتذكر لقائى الأول بك ...يوم أحببتك قبل أن أراك ....يوم أحببتك حين أحببت أبناءك الذين عرفتهم خارجك وكانوا جميعا خير عنوان لك .....يومها كنت أتهيب اللقاء الذي تأخر بفعل هذا التهيب بضع سنوات ....كنت أشعر يوم قدومي إليك أنى ذاهبة إلى مكة أو أم القرى كما عبر شاعرنا الكبير الراحل محمد سعيد العباسي وهو يصف ذهابه إلى مصر . ن

وفى أول رحلة إليك يا سودان كان الطريق طويلا ،وكان على أن أتوجه أولا إلى أسمرة قبل أن أعود إلى الخرطوم برفقة وفد حزب الأمة العائد إلى السودان بعد اتفاق جيبوتي برئاسة السيد مبارك الفاضل المهدي ،يومها ذهبنا إلى أسمرة لنصطحب الدكتور عمر نورالدايم رحمه الله ،وكنت الصحفية المصرية الوحيدة التي اختارها السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة للعودة مع وفد الحزب. ن

.....وعند اللقاء لم أشعر بغربة، ووجدتني أغوص منذ أول لحظة في أنهار مودة وأذوب عشقا لهذا البلد وأهله ...... واليوم لم تزدنى مضى السنوات إلا حبا ومودة, لكن عشرات الزيارات والجولات المتكررة بطول البلاد وعرضها لم ترو ظمأى بعد ،ولم تزدنى إلا تعلقا ولهفة إلى مزيد من الصلات والرغبة في مزيد من المعرفة ..... فأمضى بعد كل زيارة وأنا أشعر أنني لم أغرف من بحر تراث السودان ومعارفه وآدابه وعلومه وتاريخه إلا غرفة ....ولكني أمضى وأنا أحمل منه حبا ومودة تكاد تكفى العالم بأسره . ن

ورغم صلتي العميقة بالسودان وأهله إلا أنني مازلت غير قادرة على كتمان دهشتي حيال الكثير من تصرفات الغالبية العظمى من السودانيين فدى حلاوة روحهم وطيب معشرهم وكرم أخلاقهم و صدقهم وشجاعتهم وبساطتهم وتواضعهم وثقافتهم ومودتهم وأخوتهم الصادقة رغم كل التحولات الكبرى والمتغيرات التي يمر بها السودان حاليا وتنعكس تأثيراتها السلبية بشكل كبير على حياة الناس، ورغم أن الألفة والمعايشة تذهب الدهشة إلا أن هؤلاء اى الناس مازالوا قادرين على إثارة دهشتي في كل وقت . ن

وحين أكون في السودان اعتدت ربما في زحمة الوقت والجري المتواصل على تقبل طيبة الناس وكرم أخلاقهم ،ولكن حينما أعود إلى مصر وأخلو إلى نفسي يؤرقني ذلك كثيرا .....وأكثر ما يؤرقني هو طيبة وكرم بسطاء الناس فى كل مكان ذهبت إليه في الجنوب ودارفور وشرق السودان وشماله وأنحاء الخرطوم ......لا يمكن لأحد أن يصدق أن هؤلاء الناس فى بلد خارج لتوه من أتون حرب توصف بأنها الأطول في القارة الأفريقية ولا يزال يعانى من مشكلة كبرى فى غربه. ن

وأكثر ما أحببت فى السودان هو هذا الشعور التام بالأمان ،وهذا الاحترام العميق الذي يحمله السوداني فى كل مكان بالسودان للغريب أيا كان ولاسيما إن كان امرأة. ن

والسودان هو الدولة الوحيدة التي يمكن أن يصبح أهلها جميعا أهلك وأصدقاءك إن أردت ولو توافر لك الوقت .....وإذا تعرفت على سوداني لبضع دقائق صار أخا وصديقا لك العمر كله. ن

قال لي صديق مصري عمل ملحقا تجاريا بالسفارة المصرية بالخرطوم ولما انتهت فترة عمله عاد إلى السودان الذي تعلق به:لقد بحثت في نسبى ووجدت لي أسرة هنا ،وأضاف يوجه حديثه لي: ابحثي فستجدين لك قطعا جذورا هنا فى السودان ،ولكنني أجبته:أنا لا أحتاج إلى البحث عن أسرة لي فى السودان حقيقية أو مدعاة فكل السودانيين هم حقيقة أهلي من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ،فلماذا أبحث عن أسرة محدودة قد تكون أو لا تكون وأضيع كل هؤلاء وجذوري التي أشعر أنها تضرب عميقا فى كل أنحاء السودان . ن

ولى صديقة عادت من السودان يوما ففتحت حقيبتها وجلست مطرقة واجمة تضع رأسها على يدها ،فهال أمها منظرها فسألتها جزعة:هل نسيت شيئا يا بنيتي فى السودان ،فقالت لها الابنة: نعم نسيت قلبي. ن

آخر الكلام: ن

يقول الأخ والصديق الشاعر والطبيب والإعلامي والرياضي الدكتور عمر محمود خالد: ن

نحنا أولاد الوطن الواحد

متسامحين من يوم ما قمنا

عشنا حبايب

ولسه حبايب

مهما بعدنا أو تخاصمنا

فينا مساجد بى تهليلا

وفينا كنائس بي أنجيلا

وفينا معابد بسرج ليلا

وشعبنا واحد

ودربنا واحد

وحبنا واحد

لا يتجزأ و لا بتفرع .............. ن

رغم الصراع المر والعذاب

رغم نعيق البوم والغراب

رغم فلول الشر والذئاب

سنظل أوفياء لوحدة التراب

سنعبر الحدود

ونكسر القيود

ونقهر الصعاب

ليرجع السودان

الأمن والأمان

ودرة الأوطان

وتصبح القضية

كرامة الإنسان

في العدل والحرية

والوحدة الطوعية

والوقفة القوية

خلف السلام

يا وطن السلام

عاش السلام

رجوع
 

The primary material of the website is authored by Ibrahim Omer © 2008.