من الشخصيات السودانية العظيمة..ن
عام 1950 م عينه سلطان حضرموت والبريطانيون رئيسا للوزراء بدولة حضرموت..ن

وصفه من رآه وعرفه من أهل كسلا بأنه طويل فره ، وسيم المحيا ، قليل الكلام وإن تحدث كان حديثة سلسلا متحفظا .يرتدي قفطان تحته " جلابية " سودانية ويغطي رأسه بعمة في أناقة لا تخطئها العين . ن

انه القدال سعيد القدال .. الأستاذ المعروف .. ورجل النشاطات الاجتماعية.. الذي تقلد ذات يوم رئاسة الوزارة بحضرموت سكرتيرا للدولة في الفترة يناير 1950ـ مايو 1957 ليعود بعدها لكسلا موظفا في التعليم ورئيسا لمجلسها البلدي. ن

ولد الشيخ القدال في أوائل القرن الماضي 1903 م بالقضارف ، ثم ارتحل مع والده وأسرته صغيرا ليستقروا في كسلا بقرية الختمية مع والده الذي تدرج في خلافة السادة الميرغنية منذ أيام السيد الحسن الكبير ليصير " خليفة للخلفاء " في زمن أحفاده من بعده بعد أن عمر كثيرا . ن

مع بدايات القرن الماضي تأثرت مدينة كسلا ببعض مؤثرات الحداثة البريطانية، حيث افتتحت أولى مدارسها الأولية عام 1915 م ، وأدخلت وسائل المواصلات الحديثة ممثلة في العربات عام 1910 م ، أعقبه إنشاء خط السكك الحديدية الرابط من بور تسودان الى هيا عام 1924 م ... وافتتح في المدينة ناد للموظفين كما في بقية المدن السوداني الكبرى . ن

كسلا

بدأ القدال تعليمه مبكرا علي يد والده ثم انتقل لخلوة الختمية بقرب ضريح السيد الحسن ، وألحق عقبها بمدرسة كسلا الأولية هو وأخوه حسن في حي الكارة علي بعد سبعة أميال عن منزلهما بالختمية فكانا يقطعان الطريق يوميا ركوبا علي الدواب أو سيرا بالأقدام حتى أكملاها في أربعة أعوام . ن

انتقل بعدها الشيخ القدال الى مدرسة العرفاء بكلية غردون وهي مدرسة أنشأها البريطانيين لتخريج المعلمين وقد كان العمل يومها في مجال التعليم من أفضل الميادين المتاحة للسودانيين ، وكان الالتحاق بمدرسة العرفاء يستوجب الكثير من التفوق الدراسي والانتماء الى العائلات الكبيرة وبالذات أبناء الختمية مساندي الحكم البريطاني يومها عمل القدال بعد تخرجه مدرسا في كسلا الأولية وشارك في النشاط الاجتماعي والثقافي في المدينة لاسيما في نادي الموظفين ، وقد انصب اهتمامه وقتها علي شيئين أولهما دراسة تاريخ الطريقة الختمية وثانيهما الاهتمام بقصة تاجوج والمحلق وإشعارهما ..وبرز في ذلك أيما بروز . وبعد ذلك بثمان سنوات تمت ترقيته للدرجة الثامنة ونقل مديرا لمدرسة سنكات ناظرا لها . كانت سنكات مركز انطلاق القدال ففيها برزت قدراته التربوية والإدارية ، فالبيئة البجاوية ما كانت بيئة تميل للتعلم مما حدا به لاتخاذ أساليب ومنهجية تدفع الأهالي للاتجاه للتعلم ، فتعلم لهجة الهدندوة سكان المنطقة كخطوة أولي ، ثم تعرف علي الشخصيات ذات الوزن الاجتماعي وقيادات المجتمع ودفعها لإدخال أبنائها المدرسة ، كما كون لجنة للتصدي لمشاكل الطلاب والمدرسة الأكاديمية والسكنية والمعيشية ، ولعل ابرز إسهاماته نحو البجة ومنطقتهم إطلاقه لفكرة " صندوق البجة " وهو صندوق خيري تجمع أمواله وتخصص لتعليم أبناء البجة الذين التحقوا بالتعليم العالي ، وساهم هذا الصندوق في تعليم بعض أبناء البجا الذين برزوا في مجالات العمل العام بعدها كحامد علي شاش ، وعلي أونور وغيرهم ، ولا يزال هذا الصندوق قائما ليومنا هذا . ن

لفت هذا النشاط انتباه الإداريين البريطانيين ، كما لفت انتباه المستر قريفث عميد بخت الرضا وقتها ، فعندما طلبت منه حكومة حضرموت أن يرشح احد رجال التربية السودانيين ليساعد في التخطيط للتعليم بها أختار القدال من منازع . ن

انتدب القدال لحضرموت عام 1939م وعمره حوالي ستة وثلاثين سنة !!! ومكث بها حتى عام 1957م قبيل بلوغه سن التقاعد ، وكانت حضرموت وقتها تنقسم لدولتين : السلطنة القعيطية حضرموت الساحل وعاصمتها المكلا ، والسلطنة الكثيرية وعاصمتها سيئون ، وبعد توقيع المعاهدة مع بريطانيا صارتا محميتان بريطانيتان لهما مستشار بريطاني يتبع لوالي عدن . جاء القدال لحضرموت وهو يرتكز علي خلفيته الدينية الصوفية وتجربته العملية في سنكات والخبرة التربوية التي نالها من بخت الرضا . وخاض غمار المجتمع الجديد بهدى أسلوبه المتريث الرزين في التعامل مع الأشياء . ولم تمض بضع سنوات له في حضرموت حتى صار يعرف المجتمع الحضرمي كله حتى أن المستشار البريطاني كتب بعد ستة أشهر فقط من قدوم القدال لحضرموت إن سلطنة حضرموت أصبحت تسير بوحي من فكر هذا الرجل ، فرأيته يعمل كالنحلة من الصباح حتى قبيل الفجر قاد القدال النظام التعليمي في حضرموت من عام 1939 م حتى عام 1950 م وحقق بذلك ثورة تعليمية سواء في عمق الانجازات التي تحققت أو في تحقيقها بإمكانيات ضعيفة وقدرات فنية محدودة .ساعده علي تحقيق ذلك اعتماده علي عدد من السودانيين اختارهم بنفسه للعمل معه أشهرهم الأساتذة عوض عثمان ـ شقيق زوجته ـ ، حسين خوجلي ، سعيد أيوب القدال ، محجوب زيادة حمور ، إبراهيم مجذوب مالك ، أحمد بابكر العمدة . ن

عام 1950 م عين القدال سكرتيرا للدولة رئيسا للوزراء في حضرموت خلفا للشيخ سيف بن علي البوعلي الزنجباري الأصل ، ورغم المعارضة التي قادها الحزب الوطني ضده كونه أجنبيا ، ولرغبة أهل حضرموت في " حضرمة " الوظيفة ، مما ترتب عليه أعمال شغب راح ضحيته بعض الأهالي ، وعلى الرغم من أن الشيخ القدال رفض الأمر حينما عرض عليه أولا لكونه رجل تعليم لا سياسة فقد قبله تحت إصرار السلطان والمفتش الانجليزي .، بل أنه وبعد هذه الحوادث الرافضة لتعيينه فكر في الاستقالة ولكن إصرار السلطان لقفل الباب أمام تعيين أجنبي آخر في مكانه دفعه لسحب الاستقالة .ليبدأ عهدا جديدا زاهرا في حضرموت . ن

ظل القدال في منصبه لمدة سبع سنوات حتى مايو 1957 م وحظيت حضرموت في زمنه بإدارة طيبة تعزي كما رأي المفتش البريطاني في تقريره لشخصية القدال القوية ومقدراته الإدارية ونزاهته واستقامته ، ولعل ابرز انجازاته إلي جانب الانجازات التعليمية والثقافية تمثلت في محاولاته للعمل علي توطين البادية وتحسين الرعي والزراعة والحالة الصحية ، كذلك أنصب اهتمامه بإصلاح النظام القضائي الإسلامي السائد الذي نال رضاء الأمم المتحدة . كما ساهم في تدريب الكوادر الإدارية الحضرمية بإرسالها للدراسة في السودان وغيره ، وتولى الكثير من مبعوثيه بعد ذلك كبرى الوظائف الإدارية في اليمن وزارات وغيرها . ورغم أن البترول كانت بشائره قد بدأت في حضرموت يومها إلا أن القدال اقنع السلطان بعدم توقيع اتفاق مع البريطانيين لاستخراجه خوفا من أن يطيل بقاءهم في حضرموت مما أثار حفيظة البريطانيين . ن

انهي القدال خدمته في حضرموت عام 1957 م لأنه أوشك علي بلوغ سن التقاعد في السودان .. ولوفاة السلطان صالح القعيطي ، ليعود للعمل في مكتب تعليم كسلا رافضا العروض التي قدمت له للعمل في دولة قطر في وظيفة تعليمية كبري ، كما عرض عليه البريطانيين وكالة تجارية في الخرطوم ولكنه رفضها ، كذلك عرض عليه منصب سفير السودان في السعودية واعتذر أيضا ، فقد " اكتفي " من الغربة كما كان يقول .. وباشر في كسلا عمله في الوظيفة الحكومية مسئولا عن تعليم البنات وإدارة مزرعته مع أخيه حسن ، حتى نال المعاش بعد ثورة أكتوبر . ن

اختير القدال رئيسا للمجلس البلدي في كسلا . وانصب اهتمامه علي التعليم الأهلي وتطويره حيث أنشئت سبع مدارس بالعون الذاتي ، كما ساهم في النشاط الاجتماعي السائد في المدينة . ن

في السادس عشر من أكتوبر عام 1975 م توفي الشيخ القدال بالخرطوم ودفن بمقابر حلة حمد بالخرطوم بحري بعد أن صلي عليه السيد الحسن الذي كان قد أوصي بأن يصلي عليه قبل وفاته ، وكان حضوره للخرطوم ليصلي عليه حسب وصيته كرامة لازال بتداولها آل القدال إلي يومنا هذا للشيخ القدال سعيد القدال عدد من الأبناء والبنات يعرفهم أهل كسلا هم نفيسة وفاطمة ومحمد سعيد ومريم ورجاء ومحمد الحسن وإحسان وافتخر إنا بتلمذتي علي يد ابنه البروفسير محمد سعيد القدال الذي نلت منه علما وكريم خلق وزاملته حينا من الدهر في قسم التاريخ بجامعة الخرطوم .. ويزداد فخري بان كشف الإحالة للصالح العام ضمنا سويا أنا الفقير لله وهو البروفسير الذي ألف وترجم أكثر من خمسة وعشرين كتابا بالعربية والانجليزية غير الأوراق العلمية والكتابات الصحفية والإشراف علي رسائل الماجستير والدكتوراه !!!!! ن

ملحوظة :ن

اعتمد في كتابة هذا البوست بشكل أساسي علي كتاب الشيخ القدال باشا : معلم سوداني في حضرموت : ومضات من سيرته 1902 م ـ 1975 م للدكتور محمد سعيد القدال ، الطبعة الثانية ، الخرطوم ، مايو 2005 وكانت الطبعة الأولي قد طبعت ووزعت في اليمن عن جامعة عدن التي عمل فيها المؤلف بعد فصله من جامعة الخرطوم ... إلي جانب لقاءات شخصية مع المؤلف وبعض مواطني كسلا ممن عاصروا الشيخ القدال . ن

عمر حميده

رجوع
 

The primary material of the website is authored by Ibrahim Omer © 2008.